ما هو الإستشراق ما بعد الاستعماري وكيف يكون تأثيره؟

المترجم : SAADA Mahmoud

ينبع اهتمامي في "ما بعد الاستعمارية" من اهتمام سابق ومستمر بالاستشراق ومسائل الكونية الأوربية التوجه نظرا لخبرتي التدريسية في هذا المجال في الولايات المتحدة.1 عندما اكتشفت أن المُنظِّرين الهنود ما بعد الاستعماريين، أمثال "بارثا تشاتيرجي" Partha Chatterjee و"غيان براكاش" Gyan Prakash و"راناجيت غوها" Ranajit Guha و"ديبيش تشاكرابارتي" Dipesh Chakrabarty وغيرهم، كانوا يمارسون نقد الاستشراق والكونية الأوربية التوجه، بدأت قراءة أعمالهم بحثا عن إجابات لمسائل كنت مهتما بها. وكان ما اكتشفته بعيدا جدا عما توقعت التوصل إليه، وهو أنه عندما أعربوا عن نيتهم مواجهة الكونية الأوربية التوجه أخفقوا تماما في القيام بذلك عن طريق اعتناقهم لمفهومي حداثة "الاختلاف" والحداثة "البديلة والهجينة". وفي طور ذلك، بدت النظرية ما بعد الاستعمارية كما لو أنها هي أيضا مدرَجة في إحداثيات الاستشراق.2

وعلاوة على ذلك، فقد بدا أن مفهوم الاختلاف الذي طرحوه لم يدع مجالا لأي نوع من أنواع الكونية، فهناك نوع ضروري يتبنى الكفاح ضد النظام الاجتماعي الاقتصادي المتزايد عدم تكافئه وتبذيره وهدمه والذي يميز عالمنا اليوم، وسوف أعود إلى ذلك بعد قليل. إن العلاقة المشحونة للمفكرين الهنود بترِكات الاستشراق يقتضي النظر في عدة مفارقات والتي يكون حلها في نهاية المطاف في الإجابة على ثلاثة أسئلة ذات صلة وهي:

1. كيف يتبنى (أو على الأرجح يكيف) شعبٌ تحت الاحتلال هيكل تفكير يصمَّم لشرح دونيته ليكون هذا الهيكل طريقة للمحاججة في نهاية المطاف في مساواته وحتى تفوقه (في بعض المجالات) على المحتل الذي صاغ هذا الأمر في المقام الأول.

2. وكيف لمجموعة عامة تماما من الأفكار التي يمكن أن تنطبق على المغرب من طرف والصين من الطرف الآخر وكل ما هو بينهما أن تُكيف مع متطلبات "الاستثنائية الهندية" "Indian exceptionalism" على سبيل المثال؟

3. وكيف، في حالة ما أسميه الاستشراق ما بعد الاستعماري، للفكر ما بعد الاستعماري المقترن على سبيل المثال بدراسات التوابع الناقدة للقومية والمكرسة لاستعادة فهم عميق لعوالم النضالات الريفية المستقلة بذاتها أن يستوعَب في إحداثيات الاستشراق بتجسده الجديد ما بعد الاستعماري؟ يبدو ذلك للوهلة الأولى عديم الاحتمال، إذ أن العوالم الريفية المتموضعة "localized" الصغيرة لديها القليل جدا من القواسم المشتركة مع التقسيم المعولَم غرب/شرق وغيره من ثنائيات الاستشراق.3

من الواضح استحالة تناول جميع هذه الأسئلة الثلاث في محاضرة بهذا الطول، إذ يكفي القول في المقام الأول أن تطور تأريخ للهند بصبغة عرقية "racialized" في القرن التاسع عشر عبر مفهوم العائلة اللغوية الهندية الأوربية والهجرات/الاحتلال وكذلك علم الإنسان الفيزيائي أوصل الهند والغرب إلى علاقة حميمة عبر مفهوم الشرق الآري. وبدوره أتاح ذلك بروز مجموعة مدمجة من الأفكار بشأن التقليد القومي والمصير القومي والتي كان لا بد من تقديمها على أنها مفضَّلة ثقافيا على التغريب4 "Westernization".

ومن شأن مفهوم النشر و/أو الرشح "trickle-down" غير المحدَّد أن أتاح لمجموعة كاملة من الفكر الشعوبي بلورة الفكرة القائلة بأن ثقافة النخبة وصلت نزولا إلى فكر العامة من خلال ترتيبات مؤسسية وممارسة عَودية "recursive practice" أو أن الثقافة الشعبية رُفعت بطريقة ما ومُنحت تدبيرا معينا من الحذلقة وجُرِّدت من جذورها الشعبية.5

للإجابة على السؤال الثالث (أعلاه)، يتساءل المرء فيما إذا كان الأمر مسألة فئات من التداول الكوني التي تشكل خطوط قوة محتومة، إن لم تكن دائما مقرَّة، وتحتوي على ما يبدو على أشكال متضادة من التفكير أو أنها توفق بينها، فهل هذا هو الحال فعلا؟ أم هل هناك عتبة من المسموعية "audibility"، التي يحددها إلى حد كبير المحاورون الحاضريون "metropolitan"، تضع الشروط الأولية للدخول المتبوع لاحقا بتلقٍ أوسع؟ يفيدنا سير إحدى الكلمات الرئيسية في التفكير ما بعد الاستعماري وهي "الاختلاف" في هذا الصدد. فعندما تدخل القاموس ما بعد الاستعماري، سرعان ما تكتسب دلالات الغرائبية "exoticism" والغيرية متعذرة التجاوز "untranscendable otherness" وما شابهها والتي تربط الاختلاف فورا بالاستشراق.

الاستشراق والاختلاف

في النهاية، عندما يفكر المرء في الاستشراق من منظور الحاضر فلا يبقى هناك عُلوية/دونية وكل هذا الثقل الاستعماري القديم بل يبقى شيء يُدعى الاختلاف، ولاحقا في السياق الحاضري يمكن إدراج الاختلاف في اندماج متنوع الألوان من الثقافوية المتعددة "multiculturalism" فيعاد بذلك إنتاج مفهوم الكونية (الأوربية) من طرف وتعددية الخصوصيات (غير الأوربية) من الطرف الآخر. لذا يُفترَض أن يكون الاستشراق نوعا ما، بل ليس سوى أُمّاً لجميع نظريات الاختلاف ضمن ثنائية كونية / خصوصية. وكلما حاول المرء المحاججة ضد التراتب "hierarchy" زاد احتمال إعادة إنتاج الفئات حتى وإن اكتسبت في الغضون محتوى تحرريا على نحو مزور.

وليس بالضرورة أن يكتسب الاختلاف هذا النوع الخاص من الرَجع:

1. فقد يكون على سبيل المثال على شكل فهرس بسيط لممارسات مختلفة على طول محور محلي صغير جدا "micro-communal"، أو تاريخي مقتصَر "microhistoric"، لمجتمعات شديدة التموضع. ما من شك في أن المختصين في علم الإنسان "anthropologists" و"التاريخ الاجتماعي من أسفل" "social-histories-from-below" وجدوا متعة في هذا النوع من التمارين بربطها بمفهوم التهجين "hybridization" والاقتراض "borrowing" والتوطين "indigenization" المتصلة فيما بينها، والتجارة والهجرات. ومفهوم الاختلاف هذا هو بالأحرى مبتذَل وبالكاد يستحق المناقشة.

2. وهناك مفهوم للاختلاف أكثر إثارة للاهتمام لاسيما في أيامنا هذه وهو يستند إلى "مكان النوعية في عالم متزايدٍ قياسُه بالكم، ومكان القديم والشعور وسط إبطال قداسة نظام السوق، ومكان اللون الكامل والكثافة ضمن اللون الكئيب للتمدد القابل للقياس والتجريد الهندسي".6 في النهاية، إن رأس المال عديم الرحمة إلى درجة ما، إذ يُخضِع لنفسه مجموعة كاملة من العلاقات الإنتاجية والأشكال غير السلعية للحياة الاجتماعية، مقلصا بذلك كل شيء إلى علاقة نقدية باردة وواضعا القيمة الاستخدامية "use-value" في مرتبة أدنى وتابعة للقيمة التبادلية "exchange-value". وفي هذه الحالة فإن الإصرار على الاختلاف يمكن أن يكون له دور تصحيح رؤية المرء السياسية. وإذ أحذُ حذو "فريدريك جيمسون" Fredric Jameson أقدم إليكم المشهدين الممكنين التاليين:

(أ) إذا ما تمكنا من التفكير في مواجهاتنا الثقافية مع الماضي ليس بوصفها مواجهات فردية بل "مواجهات أنماط مختلفة من الإنتاج"، فإن الماضي لا يبقى "على شكل شيء خامل وميت" بل أداة نشطة تتمثل أمامنا في شكل حياة مختلفٍ جذريا وتجلس للحكم علينا فارضةً "المعرفة المؤلمة لما لسنا عليه وما لم نعد عليه وما لم نبلغه بعد". هذه هي الحاسة التي يكلمنا بها الماضي "عن إمكانياتنا البشرية الواقعية وغير المحققة، مشككا في الحياة اليومية المحوَّلة إلى سلعة والمَشاهد المجسَّدة والخبرة المحاكاة لمجتمعنا البلاستيكي والسيلوفاني، حيث أن صدارة الطقوس الاجتماعية وعظَمة القيمة غير المحولة إلى سلعة وحتى شفافية العلاقات الشخصية المباشرة تصِم فورا تأحيد "monadization" طريقتنا الخاصة في الحياة وخطابها المخصخص والأدوي "instrumental" وتجسيد "reification" سلعها".7 ولا نريد أن ننسى الآن، وفي هذا النوع من المواجهة، الهيمنة المشخصَنة والقمع والشعور بالفخ ورهاب الاحتجاز "claustrophobia" التي من المؤكد أنها صاحبت ترتيبات الأنظمة القديمة. ولكننا أيضا لا نريد أن نفكر في هذه المواجهة بوصفها رومانسية عادية إذ أن الرومانسية، إن لم أكن مخطئا، تبقي الباب مفتوحا على إمكانية تجربة حسية فردية لماضٍ أو طبيعةٍ لم تطأها الرأسمالية بعدُ ولا الآلات والطرق وسكك الحديد وتمديدات الإنترنت. وهناك شيء آخر ولنُسمه الحنين، وهو نظرة أكثر تعميما للوراء يغذيها شعورٌ بالفقدان، ولكننا لسنا بصدد الحديث عن أي من هذه الأمور.

(ب) ولنكمل الاقتباس عن جيمسون: "لأنه إذا كان التعبير المناسب لأي نمط إنتاج محدد ينطوي هيكليا على عرض جميع الأنماط الأخرى الممكن تصورها، فإنه يترتب على ذلك تضمنه للمستقبل أيضا، والاتصال التفسيري بين الماضي والحاضر لا يمكن وصفه تماما دون تضمنه على التعبير الذي يسميه "إيرنيست بلوك" Ernst Bloch "الدافع الطوباوي". وإذا ما احتوى ذلك على إمكانية هذا الدافع الطوباوي، فإن الماركسية لا تعود "مجرد نظرية رأس المال، بل تمثل أيضا تعبيرا توقعيا عن ماهية المجتمع في المستقبل ... أي التزام حزبي بذلك المستقبل أو نمط طوباوي للإنتاج والذي يسعى للانبثاق من نمط السيطرة في الإنتاج في حاضرنا". ولهذا السبب يؤكد جيمسون على أن "الماركسية ليست مكانا للحقيقة، فلماذا يكون أتباعها بالتحديد شديدي الميل تاريخيا عن المركز؟ وتكون العلاقة التفسيرية بالماضي قادرة على إدراك حاضرها بوصفه تاريخا، ولكن بشرط أن تتمكن من الإبقاء على فكرة المستقبل والتحول الجذري والطوباوي."8 وقد يكون ذلك جوهر المسألة، لأنه إذا ما تمكنا من إلغاء المستقبل، إذا جاز التعبير، فإننا بالكاد ننجح في تطبيع الحاضر. وحينها يمكن للاختلاف أن يصبح إما جردا غرائبيا أو مفهوم غيرية مستمرة، أي أنه حسب مفهوم الحداثات "الهجينة والبديلة" يكون المرء إما عصريا بمظهر أوربي كوني أو عصريا بمظهر خصوصي ما من العالم الثالث.

إن الإغراء بتطبيع "naturalize" الحاضر من أجل تجنب التصحيح المزدوج الذي يتكلم عنه جيمسون جليٌ جدا في الماضي القريب، وتلك بلا شك مهمة مجرى الأحداث. يلخص "تيري إيغيلتون" Terry Eagleton  الوضع بسحر وفكاهة مميزين:

إن قوة رأس المال الآن مألوفة بصورة كئيبة وكليّة القدرة "omnipotent" وكليّة الوجود "omnipresent" بسموٍ كبير لدرجة أن قطاعات كبيرة من اليسار نجحت في تطبيعها مسلِّمين بها كبنية غير قابلة للزحزحة كما لو أنهم بالكاد لديهم الرغبة في الحديث عنها. من شأن المرء أن يحتاج، من أجل مماثلة مناسبة، إلى تصور يمين مهزوم يخوض بلهفة في ناقشات عن المَلكية والعائلة وموت الشهامة وإمكانية المطالبة بالهند بينما يحافظ هذا اليمين على هدوء خجول بشأن ما يشغله حتى النخاع، وهو حقوق المُلكية إذ أن هذه قد نُزعت تماما بحيث بدا الحديث عنها مجرد حديث أكاديمي.

ويواصل قائلا:

بالتطبيق على الداروينية، فقد اتخذ كثير من اليسار الثقافي ألوان بيئاته التاريخية. فإذا كنا نعيش في زمان حيث لا يمكن النجاح في مواجهة الرأسمالية، فإنه، أي اليسار، غير موجود لجميع المقاصد والأغراض.9

كان بإمكان إيغيلتون بالطبع أن يتحدث عن ما بعد الاستعمارية (أو على الأقل المجموعة الفرعية عنها والتي أهتم بمناقشتها في هذه الورقة البحثية).

في الواقع، يراود المرء أحيانا شعور بأن أي اهتمام بالاقتصاد يمكن أن يُرفض بوصفه اقتصاديةً "economism"، وربما يكون ذلك بالربط مع نقد "غرامشي" Gramsci لمفهوم القوانين التاريخية المحتومة التي عقبت تطور القوى الإنتاجية. ولكن تجدر الإشارة إلى أن غرامشي نفسه لم يتجاهل أبداً أهمية أشكال العمل البديلة وشروطها الاجتماعية الاقتصادية المسبقة – المرتكزة على التغلب على رأس المال بوصفه شكلا اجتماعيا – مقابل مجرد تغيير أرضية النقاش من "الاقتصاد" إلى الثقافة.10 وأنه عندما تُستَهدف هذه الاقتصادية، وعلى الأقل في السياق الهندي، فإن جزءا من الأمور المشمولة هو بالتأكيد نقاش "نمط الإنتاج" الذي حذا حذو اهتمام الماركسية بتحليل أشكال رأس المال الموجودة حاليا، في سياق في هذه الحالة استعماري وفورا ما بعد استعماري، بدلا من الاهتمام بشيء يمكن أن يسميه الاقتصاديون المهنيون "اقتصاد" المعاشsubstantive “economy”11.

يؤكد "غيان براكاش" Gyan Prakash، الذي يعمل مدرسا في جامعة برينستون وأصبح من رواد مناصري دراسات التوابع الذين كانوا سببا في انتشار ما بعد الاستعمارية في الولايات المتحدة، أن فئتي "رأس المال" و"العمال" الاستعماريتين كانتا إشارة على مدى بعد الحكومة الاستعمارية عن عالم السكان الأصليين القابعين تحت الاستعمار. فقد لاحظ أن في عالم هؤلاء السكان كانت المسائل الدنيوية، كتراتب الطبقات، والمفاهيم الطقسية عن النقاء والتلوث، والهيمنة الذكورية، جميعها تتم بالوساطة من خلال التفاعلات بين البشر وعالم الأرواح.12 ويؤكد أن الحسنة الأساسية لما بعد الاستعمارية هي بالتحديد أنها تخلّت، حالها حال "الأفكار القومية" عن التاريخ والعقل، عن (ما وراء) السرديات "(meta)narratives" الماركسية الخاصة بأنماط الإنتاج.13 يتطرق "ديبيش تشاكرابارتي"Dipesh Chakrabarty، الذي يعمل مدرسا في جامعة شيكاغو، في كتابه الشهير تحويل أوربا إلى محافظات "Provincializing Europe"، إلى ماركس ليعطي في الأساس مثالا سلبيا لما يسميه "التفكير في مرحلة ما بعد التنوير" “post-Enlightenment thinking” الذي اضطَّر "طرق الكينونة "ways of being" العديدة في العالم" إلى تجريدات ليس أقلها فئة العمال [المجردة].14 وتعتبَر المطالبة بالاختلاف ومقاومة ترجمة الاختلاف إلى مصطلحات شائعة عبر تجريدات ما، من وجهة نظره، بوادر تحررية في عالم سئم "الكونية" الفارغة. إذا كان كل ذلك يبدو نوعا ما كالمذاق المتخلف في الفم من النهضة الاستشراقية، أو من الحركة الألمانية المناهضة للتنوير "German counter-Enlightenment"، فلا ينبغي أن يكون ذلك مفاجئا جدا.

ومع ذلك، غني عن القول أنه حتى المنظرين ما بعد الاستعماريين لا يمكنهم تجنب الحديث عن الرأسمالية، ولكن يتساءل المرء إن لم يكن ذلك هو نوع الرأسمالية الذي ينبغي على قرّاء صحيفة وول ستريت جورنال "Wall Street Journal" أن يألفوه، وهو نوع يكون فيه تعتيم على قضايا عدم المساواة البنيوية المتأصلة في الإنتاج الرأسمالي وذلك لصالح قضايا التداول، فينتقل الانتباه من مجال الاستغلال إلى "جنة حقوق الإنسان الفطرية".15 من شأن التركيز على الإنتاج أن يرقى إلى "الاقتصادية"، وبالتالي تُتجاهل "إبداعية [الشعب] متعددة الجوانب لصالح الاختزال الوسواسي إلى وظيفة وإنتاجية بالحد الأقصى ثانويتين"16 أو أسوأ من ذلك فعن طريق "اهتمام شبه حصري بالاقتصادية ... [يعزَز] التطبيع البرجوازي للاقتصاد بوصفه قاعدة جميع المجتمعات في جميع العصور".17 يرى براكاش أنه رغم كون الدوائر الإدارية للدولة الاستعمارية أسست الاقتصاد بوصفه "قاعدة" المجتمع، إلا أنها استعملت تعداد السكان من أجل وضع بعض فئات للشعب في المجال الاستطرادي للعمل، مما جعلها متيسرة للدراسة العلمية.18ويواصل حديثه مؤكدا على أن الحكم البريطاني "استحدث" طبقة من عمال الزراعة ليس عن طريق تحويل المجتمع الهندي بل عن طريق "جعل المجتمع الهندي قابلا للمعرفة بوصفه جمعا لمجموعات اقتصادية".19 يكاد يبدو أن "فئة العمال" في اعتبار براكاش انبثقت من تصور المسؤولين الاستعماريين الاجتماعي بشأن صنع الفئات. إن إخضاع فئة العمال إلى تحليل منهجي جاد يعني فضح السر من أجل التملق للفئات الاستعمارية. وردا على ذلك قد يسأل المرء كيف يمكن لفئة العمال في ظل الرأسمالية، أو في ظل أنماط إنتاج خراجية ما قبل رأسمالية، أن تعبر عن إبداعها متعدد الأوجه ولماذا ينبغي تفادي تشريح ظروف العمال تشريحا يسلط الضوء على إجراءات الاستغلال المميتة، أو لماذا ينبغي لتحليل العلاقة الرأسمالية والأشكال غير المتساوية والمركبة التي تتخذها في ظل الحكم الاستعماري وفي عالم اليوم المعولَم أن يشكل "تطبيعا برجوازيا للاقتصاد"؟ ويضيف براكاش قائلا:

يسعى النقد ما بعد الاستعماري حديث العهد ... إلى إبطال المركزية الأوربية التي أنتجتها مؤسسة مسار الغرب، أي استيلاؤها على الآخر بوصفه تاريخا. إلا أنها تقوم بذلك وهي مدركة جدا بأن الحالة ما بعد الاستعمارية لم تولد ولم تترعرع وهي بعيدة اشتماليا عن التاريخ. ما بعد الاستعماري موجود بوصفه تَبِعَة، أي بوصفه "بَعد"، وذلك بعد أن عالجته الاستعمارية. أما النقد المتشكل في هذه الصيرورة لإعلان خطابات الهيمنة فيشغل حيزا ليس داخل تاريخ الهيمنة الغربية ولا خارجه بل في علاقة مماسة له. وهذا ما يسميه "هومي بهابها" Homi Bhabha البَيني، أي موقف ممارسة ومفاوضة هجين، أو ما تصفه مصطلحات "جي سي سبيفاك" G C Spivak بالتالي: عكس جهاز ترميز القيمة وإزاحته والاستيلاء عليه.20

كما يرفض براكاش "القاعدية" "foundationalism" في التاريخ والتي مفادها الافتراض القائل "بأن التاريخ يتأسس في نهاية المطاف في هوية ما ويمكن تمثيله من خلال هذه الهوية، التي تكون هوية فردية أو هوية طبقة أو هوية بنْيَة، والتي تقاوم أي تحليل (تفكيك) إضافي إلى تباينات."21 ويعتبَر رفض براكاش للرأسمالية بوصفها فئة قاعدية مبني على انه: "لا يمكننا موضعة "thematize" التاريخ الهندي من حيث تطوير الرأسمالية وبالتزامن مع ذلك معارضة تجنيس "homogenization" الرأسمالية للعالم المعاصر."22 إلا أنه يمكن طرح فكرة مفادها أن تلك هي أفضل مقاربة فاعلة لمقاومة التجنيس الذي يخشى منه براكاش. فتوكيد براكاش على التحليل (التفكيك) يتجه إلى صميم تعريف جيمسون للاختلاف في لحظة الرأسمالية ما بعد الحداثية، وهو: "التنوع واللانهاية، والكناية و – كي نبلغ نسخة تأثيرها نوعا ما أكبر وتبدو حاسمة وشاملة للكل – التباين."23

وعندما يحين الوقت لتعريف العالم الثالث، نجد في جعبة براكاش ما يلي: "يظهر العالم الثالث ليس كشيء ثابت بل على شكل سلسلة من المواقف التاريخية بما فيها المواقف التي تعلن عن الجوهريات "essentialisms"." إذن، حتى الجوهرية الآن يمكن أن تشكل جزءا من التباين. غير أن التباين حينها، كما لاحظ جيمسون، كان بالكاد "يعني تخريبي على نحو مناسب إلى أن برز التجانس تاريخيا ليضفي عليه قيمة وقوة تكتيك المعارضة على وجه التحديد."24 ولذلك ربما يكون من المهم كي ندرك الفرق بوصفه تباينا ألا نغفل عن كون راس المال قوة مجانسة تستعمر العالم تدريجيا. وهذا يعني أن التباين هو نفسه دليل على دينامية رأس المال التوجيهية التي إذ تخضِع لنفسها كل شيء في طريقها، فهي أيضا تجزئ ما كان في لحظة تاريخية سابقة مترابطا معا في نواحٍ رمزية لم تعد تعمل، وتَفصله وتفككه وتجعل أجزاءه مستقلة.25 وهكذا يمكن وصف نمط الإنتاج الرأسمالي بأنه لحظة الاختلاف بالمعنى التاريخي البحت، أي التجزؤ والاغتراب والاستغلال والأزمات الاجتماعية بجميع أشكالها،26 و"قابلية تقسيم لا نهاية له للعلاقات الاجتماعية"،27 وهو بنفس درجة الأهمية أزمة في علاقة الإنسان مع الطبيعة.28 من المفيد أن نذكر أنفسنا بملاحظة "بيري أنديرسون" Perry Anderson في سياق مختلف عن "السَحق وراء القياس والنظام،" وهي مميزة لزماننا هذا.29

كما أن من الممكن جدا تصور أن التباين يميز عالما أصبح فيه رأس المال عالميا وتجريديا تماما في أحد القطبين ومتراكبا تماما في مجتمعات الانتماء المحلي في القطب الآخر وكليّ الوجود في جميع العلاقات الإنسانية.30 في غضون ذلك، يمكن أن يحوّل الاختلاف نفسه إلى سلعة وأن يصبح التباين مصدرا لفائض القيمة. كما أرى أن من شأن تحليل الإدراج الوثيق لفئة العمال في رأس المال، والتحلل المترتب عليه (الجزئي أو التام) للأشكال الاجتماعية القديمة، والفصل بين تجربة التحديث الملموسة وهيمنة رأس المال متزايد التجريد، أن يشكل بالتحديد أفضل خط للوقوف في وجه التطبيع البرجوازي للاقتصاد". وعلى العكس مما يقوله براكاش، تعتبر القاعدة السليمة ضرورية للتحقيق الاجتماعي دون الخوض فورا في جدال بشأن القاعدية. وعلى حد سواء، فإن إلصاق علامة ما وراء السردية على الماركسية على هذا النحو موضعُ شك، والسبب كما أظهر نقاش "برينار" Brenner بوضوح أن الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية علق تماما في صراعات (طبقات) غير قابلة جذريا للبت فيها، وكذلك سيكون الحال بالتأكيد، ومن باب أولى، في أي صراع من أجل التغلب على النظام الرأسمالي الحالي.31 قد يكون الاحتفال بالتباين في هذا السياق سابق لأوانه إن لم يكن متهورا، وقد تتحول مقاومة "التحلل إلى تباين" إلى أن تصبح موقفا سياسيا هاما.

ما بعد الاستعمارية والتقليدية الجديدة

لنعد إلى مسألة "الجوهرية": عمّ يتحدث براكاش يا ترى؟ ما هي علاقة الجوهرية بالعالم الثالث؟ حسنٌ، من المفيد في هذه الحالة أن يكون لدينا حس تاريخي وأن نفكر تاريخيا وألا نكتفي بتبني تغيير المواقف. إذ تعتبر "التقاليد" التي تحدد جوهر الأمة وقِدمها جزءا من أي تأريخ للأساطير القومية وبسطها "mythography" وقد أصبحت جزءا لا يتجزأ من تاريخ النضالات ضد الاستعمار. في البداية، عندما واجهت المجتمعاتُ التي تَشكل العالم الثالث منها لاحقا الغربَ وهو على شكل مستعمرين ومجددين، لم يكن هناك تشكيلات اجتماعية مُخضَعة إلى هيمنة الغرب فحسب بل، لمواجه ذلك، برز شيء يشبه "التقليدية" الابتدائية، مما نتج عنه غالبا مجموعات مدمجة من المعتقدات التي تؤكد على أصالة التقاليد "القومية" وصحتها وعلى أنها حصن في مواجهة التغريب "Westernization" وأنها أفضل منها في نواحٍ عديدة. ومن شأن نهجِ هذا النوع من الأفكار الابتدائية عموما على يد الحكام الغربيين أنفسهم ومحاوريهم "المحليين" أن نتج عنه في حينه ثنائية التقليد/الحداثة بحيث جاء الغرب لدعم الحداثة ودعم الشرق التقليد، الأمر الذي أكد على اختلاف ثقافي أو ديني جُعل مطلقا. فيكون الاستشراق قد وُلد في لحظة مواجهة الاستعمار.32 ما من ريب في أن التأكيدات على الأصالة والصحة التي أدلي بها باسم "التقليد" لا بد وأن لها أساسا ماديا في صلب طبيعة الحكم الاستعماري الذي ترك مجالات كبيرة من الحياة في المستعمرات مستقلة نسبيا، أو أنه سعى في الواقع إلى المحافظة على، لا بل استحداث نظام تقليدي مليء بالطبقات والتراتبات وعلاقات زاوج الأقارب وهويات نسَبية يماط عنها اللثام إذا ما أطلق العنان لقوة التحديث الكاملة.33

إذا ما انتقلنا سريعا إلى الحاضر، فإن التقليدية من هذا النوع القديم قد اختفت لجميع المقاصد والأغراض في معظم الأماكن مع الاندفاع إلى الرأسمالية (التحديث). وتلك في معظم البلدان هي الحقبة التي عقبت الاستعمارية والتي جعلت رأس المال كلي الوجود وقيّدت العالم الاستعماري القديم بإحكام أكبر في رأس المال بدلا من حكم أرستقراطيات القرن التاسع عشر البديلة والتي سعت إلى استحداث نظام اجتماعي في المستعمرات وهو ما كان يتلاشى بسرعة في مكانه. على ضوء الاعتبارات السابقة مباشرة، نعود إلى قناعة براكاش القائل أن ما بعد الاستعمار موجود بوصفه عقبا فقط من أجل إدراك أن ذلك ينطوي على إدراج إضافي – من الشكلي إلى الحقيقي – للمستعمرات القديمة في هيمنة رأس المال العالمية34 وما تبعه من استقطاب اجتماعي اقتصادي أكبر.35 ليس من الاقتصادية الإصرارُ على قاعدة اقتصادية مناسبة لما بعد الاستعمارية.

إنه في هذا العالم حيث أخذت مكانَ التقليد ما يمكن تسميتها التقليدية الجديدة، وهي إعادة صياغة بالجملة للتقاليد الأقدم واختراع تقاليد جديدة وهويات وسياسات مكيَّفة على هذه الهويات التي تعززها طقوس عامة جماهيرية ومسرح سياسي على نطاق واسع وتمثيليات تلفزيونية وصور حاسوبية، وجميعها مستندة إلى تكنولوجيات عصر (التضليل) المعلومات. وإذ تدّعي التقليدية الجديدة أنها استمرارية للتقليدية السابقة فإن من الأدق يقينا أن نعتبرها أثرا لانهيار التقليدية والشكل الذي يمكن للأصالة أن تحققه في عالم الأشباه.36 وحتى ألئك الذين يشككون في التقليدية الجديدة فيبدون مفتونين تماما بالتقليدية كما لو أنها ليست كالتقليدية الجديدة من حيث أنها مخترَعة ومخترِعة.37 في الحقيقة، إن مسألة الأصالة التي تجعل مذهب عداء المهاجرين في مواجهة مع الغرب لديها سجل تابع في جعل التقليد والتقليدية الجديدة متعارضين.38

إذا ما اجترأنا في وضع تعريف لما بعد الاستعمارية فينبغي أن يحتوي على تثليث من ما بعد الحداثة والتقليدية والتقليدية الجديدة. ولكن بما أن الافتتان المستمر بالشرق يمثل جزءا هاما من ثقافتنا الأكاديمية، فقد يسمي المرء ذلك، مع بعض التكييف للمشاهد، استشراق ما بعد الاستعمارية، وهو شكل من الغرائبية المتعمَّدة ذاتيا "self-exoticization" والذي تشكل الثنائية شرق/غرب أو أوربا/الآخرون جزءا لا يتجزأ منه، حالها حال أي نص استشراقي أوربي كلاسيكي.39 في الواقع، تعتبَر جاليات المهاجرين الآسيويين الكبرى، والتي تعيش الآن في تجمعات كثيفة في بعض أجزاء معظم المدن الأمريكية الرئيسية والذين يلتحق أطفالهم بأفضل الجامعات، جمهورا رئيسيا للتقليدية الجديدة. لذا أفترض أن هناك حقيقة بارزة في الوقت الراهن وهي أن الحدود الدائمة التغير بين الشرق والغرب والتي تحركت في السابق إلى مكان ما إلى الشرق من جبال الأورال تتحرك الآن عبر جميع مدن العالم الأوربي الأمريكي، أو هكذا يخبرنا "نيال فيرغوسون" Niall Ferguson.40 نظرا لتوجه فيرغوسون السياسي وخطابه العدائي، لا شك في أنه أراد ذلك من أجل الاستفزاز، إذ يمثل المهاجر الشرقي كابوسا دائما في جسم أوربا وأمريكيا الشمالية، وهي نقطة مألوفة لليمين في كلتا المنطقتين. أشك، على الأقل في الولايات المتحدة الأمريكية، أن فيرغوسون ورفاقه في السلاح "بات بوتشانان" Pat Buchanan و"ساموئيل هانتينغتون"  Samuel Huntington41 أقلية. إذ ينحدر أغلبية مهاجري ما بعد عام 1965 الآسيويين من أصول تنتمي إلى طبقة وسطى منعمة وقد حازوا على منزلة "أقلية نموذجية"، مسببين القليل من المتاعب ومتبنين عموما مواقف تتلاءم مع الطيف العريض لطبقة أمريكا الوسطى. يُثنى على هؤلاء المهاجرين لأخلاقيات العمل لديهم ولالتزامهم بالتقليد الذي قد يسفر عن مزيد من التدقيق فيصبح على الأرجح شكلا من أشكال التقليدية الجديدة. وهذا بالتأكيد جزء من قصة تَلَقي الدراسات ما بعد الاستعمارية في الولايات المتحدة الأمريكية والتي ستتحول إليها هذه الورقة البحثية بعد قليل.

تعتبَر مسألة الهجرة مركزية في محاولة "أريف ديرليك" Arif Dirlik تحديد أصول الدراسات ما بعد الاستعمارية. وبذلك كان جواب ديرليك على سؤال – "متى بدأ ما بعد الاستعماري بالتحديد؟" – أنه بدأ عندما "وصل مفكروا العالم الثالث إلى بيئة العالم الأول الأكاديمية".42 إلا أن جملة ديرليك تحولت لتصبح بسيطة على نحو مضلل إذ أن مصطلح "العالم الأول" فضفاض جدا في المقام الأول. فنحن ننظر حقا إلى مجال أكثر تقييدا بكثير، وهو بدايةً المؤسسات الجامعية الناطقة بالإنجليزية في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، وليس المؤسسات الجامعية في أوربا القارية. ومن بين المجموعات الواصلة والأكثر أهمية، رغم أن هذه المجموعة هي بالتأكيد ليست الأولى، مجموعة أعضاء دراسات التوابع من الهند والذين بدا أنه كان لهم تأثير تجاوز الحد بالنسبة إلى أعدادهم. كان أثر دراسات التوابع بحد ذاته محدودا جدا في الولايات المتحدة الأمريكية. وما من شك في أن إحدى مهامها كانت دراسة ثورات الفلاحين وعصيانهم لاسيما في الهند، وهي منطقة جغرافية كانت دراستها تهيمن عليها اللغويات وعلم فقه اللغة والفلسفة وعلم الجمال، ولم يكن هناك عموما اهتمام بها بنفس القدر في شرق آسيا لاسيما اليابان والصين اللذان بدا أن تجاربهما في التحديث والحرب والثورة كانت أكثر قربا من الجغرافيا السياسية الأمريكية. كان حقل الدراسات الريفية عمليا يحتضر في الولايات المتحدة الأمريكية في السبعينيات والثمانينيات ولعل ذلك يعود للغياب التاريخي لفئة الفلاحين في ذلك البلد ولربط الدراسات الريفية المتكرر بالفكر المتطرف بما في ذلك الماركسية لاسيما في أمريكيا اللاتينية. والماركسية ليست غائبة عن التعليم الأمريكي العالي ولكن يفضل تركها للدراسات الثقافية، بالرغم من أنها ليست حقلا منيعا بحد ذاته.43 ومن شأن تحديث الهند البطيء وعجزها الجلي عن حل مشاكل أساسية مرتبطة بالحكم (سوء الحكم) الاستعماري أن أودعا الماركسية إلى مجموعة وجمهور إلى حد ما متخصصَين.

لقد أدرِجت دراسات التوابع الآن في حقل أوسع من الدراسات ما بعد الاستعمارية، ممثلة في الغضون تحولا هاما من حيث الموضوع من دراسات القمع الطبقي والصراع الطبقي إلى نقدٍ لحدود التأريخ الأوربي التوجه والعلم المستوحى من التنوير والدراسات الفوكوية "Foucauldian studies" بشأن القوة في الهند إبان الاستعمار والهند ما بعد الاستعمار، ناهيك عن الحوكمة والعلم والمشاعر،إلخ، في تجسدها ما بعد الاستعماري الحالي، منشئةً في الغضون مسافةً نقدية آمنة بعض الشيء تفصلها عن دراسات التوابع القديمة، وتفصلها في الواقع عن الماركسية أيضا في كثير من الحالات. وتوضيحا لسبب هذا التحول، أكد "بارثا تشاتيرجي" Partha Chatterjee في مقال له نشر عام 2006 في مجلة لوموند ديبلوماتيك "Le Monde Diplomatique" أن ذلك التحول يكون طبيعيا وحتميا حالما يدرك مؤرخو دراسات التوابع حدود دراسة ثورة الفلاحين. والسبب الذي قدمه تشاتيرجي له علاقة بإدراك أن تواريخ التوابع كانت "مجزأة ومفككة وناقصة".44 لماذا ينبغي أن يقود هذا الإدراك إلى الهجر الفعلي لحقلٍ كان منتجا جدا لعقد من الزمان أم أن ذلك هو تخمين أي شخص إلى أن يؤخذ التلقي الأمريكي للدراسات ما بعد الاستعمارية في الحسبان؟

غير أن الأهم هو التاريخ الذي حدده تشاتيرجي للتحول وهو عام 1989. فهو لم يكن عاما عاديا، إذ حصل فيه، أو بالأحرى في الأعوام من 1989 إلى 1991، تكتل رئيسي لقوى عالمية ووصل أوج الأحداث بانهيار الاتحاد السوفييتي واستيعاب "أوربا" التدريجي لما كان يُعتبر لقرابة نصف قرن مجال الهيمنة السوفييتي، أو ما كان يسمى الكتلة الشرقية. وتوافق ذلك مع التفوق الطنان لمحاربي الغرب في الحرب الباردة، والذي أصبح كتاب "فرانسيس فوكوياما" Francis Fukuyama المعنون "نهاية التاريخ" The End of History  رمزا له.45 بعد عام 1991 بقليل، أطلقت الحكومة الهندية ما يسمى "سياسات التحرير" الخاصة بها والتي جلبت تغييرات بنيوية كبيرة إلى الزراعة والصناعة في الهند وجعلت الهند بهذا القرب الكبير من الولايات المتحدة الأمريكية. من غير المعقول تصور أن التحول الذي استعرضه تشاتيرجي هو مجرد قرار اتخذته مجموعة من المفكرين في معارضة للإشارة بحدوث تكتلات سياسية نوعا ما أكثر تعقيدا تحصل على صعيد عالمي ولكن في أماكن محددة. لربما كان السؤال الحقيقي هو لماذا اختار تقديمه بوصفه سابقا.

ما بعد المكارثية والتلقي الأمريكي

سيُفهم التلقي في الولايات المتحدة الأمريكية لمختلف الدراسات ما بعد الاستعمارية الذي يدافع عنه "براكاش"  Prakash و"تشاتيرجي" Chatterjee و"تشاكرابارتي" Chakrabarty من حيث تغيرات أخرى في العالم الأكاديمي نفسه، وهذا يعيدنا إلى إجابة "ديرليك" Dirlik الآنفة الذكر. مرت الجامعات الأمريكية بتحولات بطيئة خاصة بها والتي جعلتها أكثر تقبلا لنقد المركزية الأوروبية أو الانتشارية "diffusionism" الأوروبية التوجه وقبول العالمية الثالثة التقليدية الجديدة. وهنا سوف اذكر خمسة تغيرات مهمة:

(أ) التغير القطعي ضمن قطاعات معينة في عالم الأكاديميات الأمريكية ضد التجاوزات المكارثية وتأثيرها الذي تقشعر له الأبدان على الحرية الأكاديمية والذي آذن بحقبة أكثر انتشارا لهذه الحرية، وأحد نتائج ذلك هو السماح بإثارة علامة استفهام بشأن القواعد الأرثوذكسية الأوروبية التوجه، وفي المؤسسات الأكثر تحرراً بالفعل لتشجيع نوع من نقد العالم الثالث للغرب.

(ب) الازدياد الكبير في الهجرة من العالم الاستعماري السابق بعد التعديلات على قانون الهجرة في عام 1965 والذي غير تركيبة الهيئات الطلابية فعلياً في كل حرم جامعي في الولايات المتحدة وغير كذلك دراسة المستعمرات السابقة نفسها.46

(ج) تطور حركات الحقوق المدنية والنسوية في الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاطف مع النضالات المناهضة للإمبريالية في أفريقيا واسيا، ومن ضمن ذلك نضالات الشعب الفيتنامي مما فتح عالماً جديداً بأكمله من التعاطف السياسي.

(د) قدوم أجيال جديدة إلى الجامعات من الأمريكيين-الأوروبيين الذين كانوا نشيطين في تلك النضالات ووجدوا أنفسهم زملاء دراسة لمهاجرين ولاحقاً مدرسين لمهاجرين أو لأبنائهم.

(هـ) دخول عدد مهم من مفكري العالم الثالث إلى الحياة الأكاديمية الأمريكية في السبعينيات وأكثر من ذلك في الثمانينيات وما بعدها، وأصبح العديد من هؤلاء الآن مدراء برامج ورؤساء أقسام في مراكز تعليم مهمة.

يُعتبر أولئك الذين عاشوا خلال هذه العقود الوحيدون القادرون على البدء في تقدير مدى التغيرات أو مضامينها لتقبل إيجابي لأفكار أكاديمية ومبادرات نشأت في العالم الثالث أو أن لها وجهة نظر في العالم الثالث.47 وأدى هذا إلى تقدم طلبة من أصول مهاجرة، لاسيما الآسيوية منها لا بل جنوب الآسيوية، بـ"طلب" طرح "مساقات في التراث" تعلمهم عن ماضيهم في بيئة شتاتية "diasporic". وسوف يكون من الواضح على الفور أن المطالبة بهذه المساقات في التراث متطابقاً بالكامل مع إطار تقليدي جديد يعمل ضد نهج كوني انتقادي.48

كان في الولايات المتحدة وما يزال نقاش حيوي بشأن الممارسات التاريخية والمضامين الراهنة للتاريخ الطويل للعبودية وتجارة العبيد والذي ييسر، كما كان الحال سابقا، الرموز السيادية للنقاشات الكثيرة في الكثير من قضايا العالم الثالث وحتى تلك القضايا غير المرتبطة مباشرة بالعبودية. فعلى سبيل المثال، هناك ميل في بعض الأوساط للحديث عن العبودية والاستعمارية. وفي عدد من  الحالات، وبالذات فيما يتعلق بإفريقيا والأمريكيات الثلاث (الشمالية والوسطى والجنوبية)، هناك قدر كبير من التبرير لذلك الميل. وحتى في آسيا ساوى القوميون الاستعمارية بشكل من أشكال العبودية وهي فكرة أطلقها غاندي وعَبَر عنها بوضوح وهي الآن عبارة مجازية تنطبق في مجموعة من ميادين الدراسة.49 ولهذا، ومن أجل الاختصار، عندما ظهر أكاديميو العالم الثالث، الذين يشير ديرلك إليهم، في الولايات المتحدة الأمريكية في أقسام العلوم الإنسانية والاجتماعية (اللغة الإنجليزية، والدراسات الثقافية، وعلم الإنسان) فإن مساواة العبودية بالاستعمارية قد جُعِلت أكثر قوة ومُنحت وزنا نظريا كبير جداً. وفي سياق حركة الحقوق المدنية وأمريكيا ما بعد الحقوق المدنية، أصبح بمقدور هذه الروابط أن تحمل قدراً هائلاً من الحمولة الرمزية. ولا نريد أن نقول هنا أن الإستشراق القديم (ذا الأسلوب النفعي) قد تلاشى أو أن حب الإنجليزية أو النرجسية الدبورية "WASP narcissism" قد استبدل بهما العالم ثالثية (حالة العالم الثالث) "Third Worldism" وإنما حدث تحول كبير في المنظور.

وبدون شك، تحتوي صياغة ديرليك المقتضبة على عنصرٍ مهم من الحقيقة. وقد يكون ما قصده هو أن ما بعد الاستعمارية كانت تُعنى بأشياء كثيرة لها علاقة بسفر المفكرين العالميين ومنهم مجموعة امتيازية من العالم الثالث تمكنت من الاندماج بنجاح في المراتب الأكاديمية العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، وجعلت همها معروفا لنظرائها الأمريكيين وبشكل أوسع الغربيين. ونتيجة ذلك أن بعض القضايا التي أثرت، على سبيل المثال، على الطبقات/الطوائف الهندية العليا في ظل الاستعمار قد أخذت تطفو على السطح مرة أخرى في الأكاديميات الأمريكية ولكن في سياق جديد تماماً. ومن وجهة النظر الأمريكية، فإن أكاديميي العالم الثالث الذين طلبوا مجالا أوسع لأدب العالم الثالث، على سبيل المثال، هم نماذج حية للإقصاء العرقي في الحقبة الاستعمارية. ونُظر إلى مطلبهم الحصول على وقت مساوٍ في المناهج على انه مطلب سياسي من اجل مركز اقل إقصاءاً من الفرادة والامتياز اللذين تحظى بهما الحضارة "الغربية". وفي نفس الوقت، وبفضل تلاقي المصالح، لم ُيرد أي من الطرفين الحديث في قضايا أخرى كانت دائماً تغلي تحت سطح الحكم الاستعماري.

وعلية تجمعت أكاديمية أمريكية أكثر تَحرراً ومتعددة الثقافات وفئة امتيازية من مفكري العالم الثالث لتمهدا الأرضية لإدخال القضايا الطبقية. ولهذا فإن الأكاديميين الأمريكيين الليبراليين، والمُعتادين على التعامي بعض الشيء عن الطبقية لأنه بمعجزة ما فإن جميع الأمريكيين إما ينتمون إلى الطبقة الوسطى أو أنهم بصدد التحول إليها، قد التقوا بنظرائهم من دول العالم الثالث (في إطار ما بعد القومية الشتاتية) ولم يريدوا أن يتحدثوا عن الطبقية أيضاً. من شأن مناقشة القضايا الطبقية عموما أن يعقد موضوع الاستعمارية ويميز حتماً الاستعمار (في آسيا) عن العبودية (في نصف الكرة الأرضية الغربي). لكن هذا التلاقي الذي أشرت إليه آنفاً قد أثبت انه مركزي تماماً في الإقصاءات وحالات الارتباك التي احدثتها دراسات ما بعد الاستعمار الأمريكية.50

ومن وجهة نظر دراسات ما بعد الاستعمار في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي عالم من السفر والهجرة، يمكن للمرء أن يكون أحد سكان أمةِ ما، الأمة التي تخصهُ، مهما تكن، وأن يكون مواطناً في أمة أخرى، وهذه الحقيقة بحد ذاتها نوع من التأقلم مع ضرورة البقاء أو الازدهار في بيئة جديدة. ولا يكون الالتزام لأي منهما ضروريا، فالعضوية في أمة المرء المناسبة تكون دائمة وغير قابلة للتبديل ومسألة حقيقة ما قبل سياسية مُفصلة مسبقاً وعميقة نوعا ما. فمن وجهة النظر هذه تكون المواطنة، في أي دولة كانت، ببساطة تكيف مع وسواس الزمن الحاضر بالحدود والتخوم وجوازات السفر والتأشيرات والتفتيش والإقصاءات. ويمكن للمرء أن يكون متطرفا بالمعنى ما بعد الحداثي وذلك ببقائه غير مكترث وحتى ساخراً من جميع هموم مواطني الطبقة العاملة العادية الخاصة بالحصول على العمل والسكن والحقوق الأساسية في مكان العمل وتقاعد كريم _ ويمكن القول أن جميعها اقتصادية تماما – وذلك عند الكتابة عن عنف المركزية الأوربية الذي لا يصح ذكره.51 وفي الواقع، يمكن للمرء أن يكون متطرفاً وغير منخرط سياسياً في ذات الوقت وتلك حالة من اللاسياسية "apoliticalness" المتطرفة. وفي عالم أكاديمي يبدو أنه يحتوي على عدد كبير استثنائي من الناس الذين يعيشون في المطارات أو تتكون أفضل أفكارهم في المطارات، فإن فكرة العقلانية غير الملزمة والمفرطة الحركة تتقبل بصورة جيدة على الأرجح. وهذه آخذها على أنها النتيجة النهائية للموقف التقليدي الجديد.

كل شيء ممكن في هذا العالم الغريب، فحتى ضحايا الاستعمارية الحقيقيين قد يتحولون إلى نخبة العالم الثالث، إذ يمكن الجدل في أن عالم الريف لم يتعطل ولم يتحول بالكامل كما حصل لعالم النخبة. فقد جُرِّد عالم النخبة جوهريا من القوة والامتيازات ناهيك عن المركز الاجتماعي، والنتيجة تقلص هذا العالم إلى مكانة مروعة من التوابع الموسرين.52 وبالفعل قد يتناسب هذا القلق على نخبة العالم الثالث السابقة جيداً مع تعددية ثقافية غير مكترثة بالطبقية، والتي أصبحت تمثل الأيديولوجيا الفعّالة للأكاديميين الأمريكيين الليبراليين. إن هذا عالمُ تتعايش فيه جاليات شتاتية في فضاء مشترك دون الحاجة كما يبدو إلى استحداث قضية جماعية في النضالات ضد الظلم. وبالطبع فإن الظلم موضوع مطروح للنقاش إلا انه يُتناول في الغالب باستعمال عبارات مجتمعية أو محلية وإلا فإنه يُخشى أن يصبح تجريدا وجزءاً من ما وراء السرد التنويري القاعدي، أو أسوأ من ذلك، فيخشى أن يتحول إلى ماركسية. تعتبَر الصفحات الافتتاحية لكتاب "ديفد هارفي" David Harvey، وعنوانه العدل والطبيعة وجغرافية الاختلاف، تذكيرا قويا للتأثير المقلق بصور مطلقة لنظرة العالم هذه عندما نُقل فحواها من القاعات الأكاديمية الامتيازية إلى الحقول والمصانع في الولايات المتحدة الأمريكية.53 وعندما يلاحظ المنظرون الاجتماعيون التدمير المطلق للمجتمعات المحلية الحضرية في الولايات المتحدة الأمريكية، أو الإخفاق في وضع برامج اجتماعية أساسية، فإن هذا الإخفاق قد تعود أصوله إلى الطرق التي استؤصلت فيها التضامناتُ الاجتماعية الضرورية في السنوات الأخيرة. وفي تلك الحالة، فمن المعقول على الأقل أن يكون نقد ما بعد الاستعمارية لما وراء السرديات من عوارض الانهيار العام للسياسة الطبقية وإستراتيجية تصالح مع التبايات الاجتماعية المتوسعة. وبالفعل أصبح العالم الثالث حاضرات.

 وفي هذا السياق فإن مشروع تحويل أوربا إلى محافظات بأكمله، وذلك بملاحظة الخواء للكونية الأوروبية، قد لا يكون بالفعل بشأن أوربا بالمرة، وإنما أكثر بشأن سلالتها المغرَّبة الآن وهي الولايات المتحدة الأمريكية، أو بالأحرى بشأن جعل الولايات المتحدة أكثر عالمية وكونية وذلك بأبعادها عن سلفتها الإقليمية، أي أوربا. نقول أكثر لا قوميةً (كوزموبوليتانيةً) وعالمية ولكن ليس أكثر كونية بطريقة علمانية وطريقة متطرفة سياسيا. وهناك عدد ما من طلبة الدراسات العليا في العلوم الإنسانية الذين وجدوا فكرة الكونية من أي نوع كانت مقيتة إن لم تكن في كليتها مهينة. نكاد نقول أنه مع رفض كونية الحق الديني المسيحية وبصورة صحيحة تماما، تبنى متعددو الثقافات موقفا يمكنه مساعدة المعارضة فقط بموضوعية. وحينها ظهر شكل ما بعد الاستعمارية الخاص بدراسات ما بعد التوابع، على أنه جزء من السياسة الأكاديمية لما بعد الحرب الباردة، أي إعادة تشغيل أو إعادة تمثيل الأفكار اليسارية الرئيسية بشأن المساواة البشرية حتى تكون منسجمة مع الليبرالية المتعددة الثقافات، أو لربما مع الليبرالية متعددة المجتمعات المحلية. والغائب من كل ذلك، كما لوحظ، هو التحليل الطبقي. فقد استبدل بالطبقة بالكامل مجتمعاتٍ من الطوائف الدينية والجماعات العرقية، إلخ.، وهذا هو النظير الأمريكي لـ"طرق الكينونة المختلفة في العالم"، والتي تناضل من أجل فرص متساوية لكي تُسمع وتُحترم، وليس لأي شيء آخر كما يبدو.

ويصبح المرء، افتراضيا، ممثلاً حياً لمجتمعه المحلي، إما أصيلا كما ينبغي – وهذا يعني في إطار المهاجرين في الولايات المتحدة تأييد المواقف المخزونة للدراسات ما بعد الاستعمارية، ومن ضمنها مفاهيم التهجين والبينية والخصوصية المستندة إلى المكان، وهي غير قابلة للترجمة إلى أي عبارات تضامن سياسي عليا54 _ أو نوعًا ما زائف لدرجة أن المرء لا يزال يفكر من حيث التناقضات البنيوية، والمصطلحات التي أصبحت الآن تزدرى على أنها بائدة وعفي عليها الزمن. وباختصار فإن هذه واحده من تركات العام 1989 .

وإذ قلنا ذلك كله، من المهم أن ندرك أن لدى أي تحليل لنجاح الدراسات ما بعد الاستعمارية يجب أن نضع في اعتبارنا العام والخاص. بمعنى آخر، إذا ما نجحت ظاهرة كظاهرة الدراسات ما بعد الاستعمارية في العديد من البلدان، فإن على المرء أن يحدد الأسباب العامة لنجاحها، ومنها على سبيل المثال الظروف التاريخية ما بعد الثورية التي ذكرها ديرليك في كتابه تواريخ ما بعد الحداثة، دون إهمال الشروط القومية المحددة والتي قد تفسر سبب نجاحات نوعٍ ما. وعليه، فإن تلقيها في جنوب إفريقيا متأثر على الأرجح بمجموعة عوامل مختلفة تماما عن تلك التي تسود في الولايات المتحدة الأمريكية. وتتطلب دراسة الظروف السياسية ونتائجها لجميع تلك الأمور نهجاً تعاونياً مقارناً على الصعيد العالمي.55

وإذا ما أعلنت إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية نفسيهما من المجتمعات ما بعد الاستعمارية وإذا كانت الدراسات ما بعد الاستعمارية تنتشر، كما علمت، بسرعة كبيرة في النمسا وهنغاريا وقد اكتشفتا أيضاً متعة أن تكونا ما بعد استعماريتين، فهل يمكن أن يتخلف باقي أوربا عن الركب؟ إنني انتظر اليوم الذي ستكون فيه ما تسمى المجتمعات ما بعد الاستعمارية موجودة في أوربا وأمريكيا والذي سيعاد فيه استعمار العالم الثالث بشكل جديد من أشكال الاستعمار أو يصبح مكاناً للجوع والموت والغرق،56 ولكن في غضون ذلك، يمكن للمرء أن يقول بأمان أن إعادة هيكلية التعليم الفرنسي بالتزامن مع إصلاحات ليبرالية جديدة في هذا البلد ستجعلها بالتأكيد مكاناً يرحَّب فيه بقدوم تحويل أوربا إلى محافظات للكاتب ديبيش تشاكرابارتي. (Dipesh  Chakrabarty). إنه كتاب رائع يدّعي تحويل أوربا إلى محافظات (ليس أوربا الجغرافية بالمعنى المتعارف عليه حديثا لدينا وإنما شيء شبيه بعالم المسيحية الغربي) ولكنه يجعلها أكثر مركزية وأكثر كونيةً وهيمنةً ويجعل العالم الثالث أكثر غرائبية وهامشية من ذي قبل. واشتبه أن تكون هذه هي الوظيفة، وإن كانت موضع ترحيب كبير، غير المعترف بها للدراسات ما بعد الاستعمارية. 

بذور الزمن57

أنا منجذب في النهاية إلى التوافق مع تقييم "إيغيلتون" Eagleton لما بعد الحداثة والذي ربما من الأنسب أنه ينطبق على ما بعد الاستعمارية إذ يقول: "لا بد أن الأمية السياسية والنسيان التاريخي اللذان تعززهما ما بعد الحداثة هما سبب الابتهاج في البيت الأبيض [في فترة بوش الرئاسية؟]، على افتراض أن النزعة لا تنتهي من الوجود قبل أن تصل إلى آذانهم".58 وما من خطر في حدوث ذلك، أي انتهاء النزعة من الوجود في وقت ما قريبا، لأن هناك العديد من المصالح المؤسسية التي جعلت من المؤكد أن ما بعد الاستعمارية ليست راسخة في الجامعات الأمريكية فحسب بل إن الأقسام الجامعية كأقسام اللغة الإنجليزية وأقسام الدراسات الثقافية وأقسام علم الإنسان مزودة جيدا أيضا بمُنظِّرين ما بعد استعماريين. وبما أن البلدان التي استعمرت، كما لاحظنا، أجزاء كبيرة من آسيا وإفريقيا (ناهيك عن مستعمرات المحتل الأبيض كالولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا ونيوزلندة) تُعتبَر جميعها ما بعد استعمارية، أو حتى أنسب في ما بعد استعماريتها من الهند، على سبيل المثال، فهل يمكن أن يكون الأمر هو أننا جميعا ما بعد استعماريون نوعا ما وأنه لا يهم من أين نحن طالما أننا نرفض، فرضا، الماركسية وجميع الأسئلة المقلقة التي تتيح لنا طرحها؟ وكما قال "ديريك" Dirlik ، "بما أن الحالة ما بعد الاستعمارية لم تعد تشير إلى المكان، فإن هوية ما بعد الاستعماري لم تعد بنيوية بل استطرادية".59ويتساءل المرء في الواقع ما إذا كان ما يسمى ما بعد الاستعمارية هو حقا أحد أنواع ما بعد المكارثية، أي تسوية ليبرالية سيُستبدَل فيها بالمسائل الطبقية، وبمفهومي التناقض والصراع اللذين تتضمنهما، مرجعياتٌ استطراديةٌ للمكان والصفات المرتبطة به وما يرافق ذلك من إلغاء للاختلاف الشبيه بالمستقبل.60

وهكذا وبمعنى أوسع وأشمل، فإن اللحظة ما بعد المكارثية تلخص عالَما لا تعود فيه بعض الأشياء قابلة للتصور أو التسمية، فبوسع المرء أن يتحدث بلا نهاية عن الحرية طالما أنها حرية تجعل المرء يطمح إلى الاختلاف، أي حرية من ظلم المركزية الأوربية، بدلا من الحرية مثلا من الظلم الحقيقي البغيض للجوع أو، ولنكن أكثر طموحا، الحرية من حكم رأس المال؛ أو يتحدث عن الاختيار طالما أن الاختيارات مبتذَلة؛ أو يتحدث عن الطبقية طالما أنها الطبقة الوسطي (وسطى بالنسبة لماذا؟ يتساءل المرء) ويُسلِّم المرء بأن التحولات الاجتماعية حلمٌ سيء بالماضي وهو الآن محجور بأمان خلف جدار عام 1989.

وإذا ما كان الغرب في آخر الأمر فعلاً أكثر استعماريةً من باقي العالم، فيمكن جدا المجادلة في أنه ينبغي لعنصر الاستشراق الحنيني و/أو مرادفاته، التي لا تزال تشكل جزءا لا يتجزأ من ما بعد الاستعمارية، أن تتلاشى عن صيغته الحاضرية. وبهذا المعنى، يبدو الشرق كأنه وسيط الاختفاء ضمن ما بعد الاستعمارية الحاضرية.61 وقد تكون مثل هذه الحركة واضحة أصلا في، مثلا، تاريخ "الأقوام الأربعة" الذي يبدو أنه يزيل الممارسة التاريخية في بريطانيا.62 وإذا انبغى العثور على عنصر غرائبي، فمن السهل ضِمن ذلك الأمر ومن قراءة تقليدية جديدة للنظام القديم، أي جمال الحياة الريفية وسحرها، أن ينتج استرجاعُ الأقلمة المشار إليها أعلاه في الشروط المحددة للسياسة ما بعد الاستعمارية، حيث يكون رأس المال، بالإضافة إلى أمور أخرى، مطبَّعا تماما ومستأصَلا من الاعتبار الناقد لغلبته: وهذه الحركة تقدمت كثيرا في أوربا في العقود الأخيرة، راجعةً في الصيرورة إلى إعادة صياغة نهائية للمجاز الأدبي القديم الخاص بالعصور الوسطى بوصفه داخل أوربا الغرائبي، ولكن ربما يمثل الآن حجر الأساس للهوية الأوربية أو مرادفات الوقت الراهن على شكل مزدرعات متميزة، والمحافَظ عليها في طراز من التقليدية الجديدة كالمطاعم والمتاجر والوجهات السياحية.63

وفي هذا السياق، يتحتم أن نذكِّر أنفسنا أن هناك فضولا أكثر إصرارا بشأن مصير عالمنا الذي لا يمكن السيطرة عليه تماما أو قهره، كما جاء في كتاب جيمسون المعنون بذور الزمن:

حتى بعد "نهاية التاريخ"، بدا أن هناك نوعا ما فضولا تاريخيا من نوع شامل عموما، بدلا من مجرد النوع القصصي، وذلك ليس لمجرد معرفة ما سيحدث لاحقا، ولكن بوصفه قلَقا أكثر عموما بشأن المصير الأكبر لنظامنا أو نمطنا في الإنتاج بحد ذاته، وهو فضول بشأن ماهية التجربة الفردية (من النوع ما بعد الحداثي) التي تخبرنا بأن هذا النظام أو النمط يجب أن يكون أبديا، في الوقت الذي يشير فيه ذكاؤنا إلى كون هذا الشعور في الواقع غير مرجح أبدا، وذلك دون الخروج بسيناريوهات معقولة بخصوص تحليله (تفكيكه) أو إزاحته. يبدو اليوم تصور التدهور الشامل للأرض والطبيعة أسهل لنا من تصور انهيار الرأسمالية السابقة، وربما يعود ذلك إلى بعض الضعف في تصوراتنا.64

"بذور الزمن" هي بالطبع إشارة إلى تلك الكلمات الشهيرة من مسرحية "ماكبيث" Macbeth لشكسبير (الفصل الأول، المشهد الثالث):

إذا كان بإمكانك النظر في بذور الزمن،

وأن تقول أي حبة ستنمو وأي حبة لن تنمو،

قل لي حينها من لا يتوسل ولا يخاف

عطفك ولا كرهك.

أود أن أشير إلى أنه إذا كان التأمل في تدهور الأرض أسهل من التأمل في انهيار الرأسمالية، أي إذا ما أصبحنا كارهين للنظر في بذور الزمن، فإن ذلك ضعف تاريخي كبير أكثر منه عيب خَلقي لجنسنا البشري. ويمكن القول أنه ضعف عززه كونه يقع في البلدان التي أعلنت نفسها بلدانا ما بعد استعمارية حاضرية ودعمه مفكرون متنوعون وبارزون. في هذه الحالة، نحتاج إلى تعريف ما بعد الاستعمارية على ما هو عليه، وليس إمكانية تجديد رؤية سياسية متطرفة من النوع الذي يأمله "مايكل هارت" Michael Hardt على سبيل المثال،65 بل أقرب بكثير إلى مؤشر على طاقات متطرفة منهكة ومهزومة ومحولة بأمان من جهة وتنشيط جميع أنواع الأفكار التقليدية والتقليدية الجديدة المتضمَّنة في حقل قوة العولمة وما بعد الحداثة القائمتان فعلا من جهة أخرى.

1لقد قُدّمت نسخة مختصرة من ورقة البحث هذه في مؤتمر بعنوان "العولمة الموجودة حاليا وبدائلها" عُقد بتاريخ 4 كانون الأول/ديسمبر 2008 في معهد الباحثين التابع لجامعة كولومبيا والكائن في باريس. وجاء المؤتمر نتاجا لمنحة جامعية مقدمة من البرنامج الدولي للدراسات المتقدمة الذي تشرف عليه مؤسسة بيت علوم الإنسان في باريس. أخص بالشكر "دانييل هاس-دوبوسك" و"جون-لوك راسين" على دعمهما. وقد حظيت هذه الورقة بمناقشات عدة مع "سوشيتا مازودار" و"أفشين ماتين-أسغاري" و"ويلي ثومسون" و"فيرات أوروك". كما أعبر عن امتناني إلى "جون-جاك لوكليرك" على ملاحظاته الثاقبة بصفته مناقشا لورقتي في المؤتمر. وكانت بعض أجزاء هذه الورقة المعدّلة قد وردت في المحاضرة الأساسية التي ألقيت في المدرسة الصيفية العليا الخاصة بمركز العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة ليبزيغ التابعة لأكاديمية البحوث بتاريخ 23 أيلول/سبتمبر 2008 وكانت جزءا من المؤتمر المعنون "إعادة النظر في أنظمة العالم" المنعقد بين 22 و26 أيلول/سبتمبر 2008. كما أشكر "ماتياس ميديل" و"جيانكارلو كاسالي" وطلبة الدراسات العليا على تعليقاتهم على محاضرتي في جامعة ليبزيغ. وأتبرأ من أي مسؤولية عما ورد في هذه الورقة.
2للحصول على عرض مفصل لهذا الموضوع، انظر Vasant Kaiwar "فاسانت كايوار"، “Towards Orientalism and Nativism: The Impasse of Subaltern Studies,” Historical Materialism, 12: 2, (2004), pp. 189-247 ["نحو الاستشراق وعداء المهاجرين: مأزق دراسات التوابع،" الماديّة التاريخية]. وفصلان – أحدهما ألفته بالاشتراك مع Sucheta Mazumdar "سوشيتا مازومدار" والآخر ألفته بمفردي – من كتاب From Orientalism to Postcolonialism: Asia, Europe and the Lineages of Difference, eds [من الاستشراق إلى ما بعد الاستعمارية: آسيا وأوربا وأنساب الاختلاف]. وقد سبر هذه المواضيع بتعمق أكثر كل من Sucheta Mazumdar, Vasant Kaiwar and Thierry Labica, London: Routledge, 2009 ["سوشيتا مازومدار" و"فاسانت كايوار" و"تييري لابيكا].
3غير أن هناك تقليد طويل لهذا النوع بالتحديد من الاستشراق الجزئي بالإشارة إلى الهند، أي التعبير على المستوى المحلي عن بعض الأنماط الثقافية الأكبر. لقد تبنى العديد من القوميين الهنود هذا الموضوع على مدى القرن التاسع عشر وقد دُمج رويدا رويدا في فرعَي الدراسات الشعوبية ودراسات التوابع في شبه القارة الهندية. ولطالما كانت هنالك أصوات في دراسات التوابع ناقدةً لهذه النزعة لاسيما "ديفيد هارديمان" و"سوميت ساركر" وهما على ما أعتقد لم يعودا أعضاء في مجموعة دراسات التوابع "subaltern-studies group". للإطلاع على دراسة للقرية الآرية مثلا انظر John Budd Phear "جون بود فير"، The Aryan Village in India and Ceylon, History of Economic Thought Books, McMaster University Archive for the History of Economic Thought, number phear1880 [القرية الآرية في الهند وسيلان].
4 "فاسانت كايوار"Vasant Kaiwar ، “The Aryan Model of History and the Oriental Renaissance: The Politics of Identity in an Age of Revolutions, Colonialism and Nationalism,” ["النموذج الآري للتاريخ والنهضة الشرقية: سياسة الهوية في عصر الثورات والاستعمارية والقومية"]، الفصل الأول، من كتاب المحررين Vasant Kaiwar & Sucheta Mazumdar "فاسانت كايوار" و"سوشيتا مازومدار"، Antinomies of Modernity, Durham: Duke University Press, 2003, pp.13-61 [تناقضات قوانين الحداثة]؛ و"فاسانت كايوار" و"سوشيتا مازومدار"،“Race, Orient, Nation in the Time-Space of Modernity,” ["العرق والشرق والقوم في زمان ومكان الحداثة"]، الفصل التاسع، من كتاب المحررين "فاسانت كايوار" و"سوشيتا مازومدار"، Antinomies of Modernity, pp.261-98 [تناقضات قوانين الحداثة].
5وهذه النزعة ممَثلة جيدا في كتابات Vandana Shiva "فانادا شيفا"، لاسيما في كتاب Staying Alive: Women, Ecology and Development, London: Zed Books, 1989 [البقاء على قيد الحياة: النساء وعلم البيئة والتنمية]؛ وكتابها Biopiracy: The Plunder of Nature and Knowledge, Boston: South End Press, 1996 [القرصنة البيولوجية: نهب الطبيعة والمعرفة]، كما أن هذه النزعة معبَّر عنها على نحو مفاجئ في أحد أعمال Ranajit Guha "راناجيت غوها" الأولى وكان في حينها لا يزال في نمطه الغرامشي الماركسي. انظر على سبيل المثال Elementary Aspects of Peasant Insurgency in Colonial India, Delhi: Oxford University Press, 1983, pp.37-8 [الجوانب الابتدائية للتمرد الريفي في الهند الاستعمارية]. وإن هذا الجانب من تفكيره على شكل تقليدين "اثنين" هندي وبريطاني أكثر وضوحا في كتاب Dominance without Hegemony: History and Power in Colonial India, Cambridge, MA: Harvard University Press, 1997 [الهيمنة دون سيطرة: التاريخ والقوة في الهند الاستعمارية]، والذي استعرضته استعراضا نقديا في نصي المذكور آنفا “Towards Orientalism and Nativism: The Impasse of Subaltern Studies.” "نحو الاستشراق وعداء المهاجرين: مأزق دراسات التوابع".
6 "فريدريك جيمسون"، The Political Unconscious, Ithaca, NY: Cornell University Press, 1981, pp.236-7 [اللاوعي السياسي] Fredric Jameson.
7 "فريدريك جيمسون"، The Ideologies of Theory, Essays 1971-1986, Vol. 2: Syntax of History, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1988, pp.175-6 [أيديولوجيات النظرية، مقالات 1971-1986، المجلد 2: تركيب جمل التاريخ] Fredric Jameson.
8 Jameson "جيمسون"، The Ideologies of Theory, Essays 1971-1986, Vol. 2, pp.176-7 [أيديولوجيات النظرية، مقالات 1971-1986، المجلد 2]. توكيد مضاف.
9 Terry Eagleton "تيري إيغيلتون"، The Illusions of Postmodernism, Blackwell, 1996, p.23 [أوهام ما بعد الحداثية].
10 انظر على سبيل المثال نقاش Gramsci "غرامشي" بشأن القضايا التي تؤثر على تحول الإنتاج في الزراعة والصناعة في كتابه The Southern Question [المسألة الجنوبية]، ترجمة ومقدمة Pasquale Verdicchio "باسكال فيرديكتشيو"؛ وكتابه المعاد طبعه L’Ordine Nuovo [النظام الجديد]، المقال المعنون “Workers and Peasants” (3 January 1920) in the above title, pp.49-51 ["العمال والفلاحون"].
11 Utsa Patnaik "أوتسا باتنايك"، Agrarian Relations and Accumulation: The Mode of Production Debate in India, Delhi: Oxford University Press, 1991 [العلاقات الزراعية والتراكم: الجدل في نمط الإنتاج في الهند].
12 Gyan Prakash "غيان براكاش"، “Introduction”, in Prakash, ed., The World of the Rural Labourer, Delhi: Oxford University Press, 1992, pp.1-46 ["المقدمة"، من كتاب براكاش (محرر)، عالم العامل الريفي].
13 Gyan Prakash "غيان براكاش"، “Postcolonial Criticism and Indian Historiography,” Social Text, Nos.31-32 (1992): 8-20 ["النقد ما بعد الاستعماري والتأريخ الهندي"، النص الاجتماعي].
14 Dipesh Chakrabarty "ديبيش تشاكرابارتي"،Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference, Princeton, N.J.: Princeton University Press, 2000, p.33 [تحويل أوربا إلى محافظات: التفكير ما بعد الاستعماري والاختلاف التاريخي].
15 Karl Marx "كارل ماركس"، Capital, vol.1, trans. Ben Fowkes, London: Vintage, 1976, p.280 [رأس المال]
16 Chakrabarty "تشاكرابارتي"، pp.68-9.
17 Prakash "براكاش"، “Introduction,” p.2 [المقدمة].
18 Prakash "براكاش"، “Introduction,” pp.9-10 [المقدمة]. يستشهد براكاش بعدد من الأعمال التي من الواضح أنها تلت هذا الخطاب الاجتماعي عن الاستعمارية، لاسيما أعمال H H Mann "إتش إتش مان":Land and Labour in a Deccan Village, Bombay: University of Bombay Economic Series No. 1, 1917 [الأرض والعمل في القرية الدكنيةLand and Labour in a Deccan Village, Study No. 2, Bombay; University of Bombay Economic Series No. 3, 1921 [الأرض والعمل في القرية الدكنية]. وكون "مان" موظفا رسميا في وزارة الزراعة في رئاسة بومباي فقد كشف من خلال أبحاثه عن تدهور محنة المستأجِرين وعمال الزراعة وحتى الفلاحين تحت الاستعمار، وذلك نقد داخلي قيِّم لتبعات رأس المال الاستعماري الاجتماعية ولكنه لم يعد مظهرا للاستعمار الحقيقي الذي تهتم به النظرية ما بعد الاستعمارية على ما يبدو.
19 Prakash "براكاش"، “Introduction,” p.19 [المقدمة].
20 Prakash "براكاش"، “Postcolonial Criticism and Indian Historiography,” p.8, emphasis added ["النقد ما بعد الاستعماري والتأريخ الهندي"، توكيد مضاف].
21 Gyan Prakash "غيان براكاش"،“Writing Post-Orientalist Histories of the Third World: Perspectives from Indian Historiography,” Comparative Studies in Society and History vol. 32 (1990), p.397 ["كتابة تواريخ العالم الثالث ما بعد الاستشراقية: منظورات من التأريخ الهندي،" دراسات مقارنة في المجتمع والتاريخ].
22 Prakash "براكاش"، “Postcolonial Criticism and Indian Historiography,” p.13 ["النقد ما بعد الاستعماري والتأريخ الهندي"].
23 Fredric Jameson "فريدريك جيمسون"، The Cultural Turn: Selected Writings on the Postmodern, 1983-1998, London: Verso, 2000, p.63 [النقلة الثقافية: كتابات منتقاة عن ما بعد الحداثة].
24 Jameson "جيمسون"، The Cultural Turn, p.65 [النقلة الثقافية].
25 Fredric Jameson "فريدريك جيمسون"، A Singular Modernity, Essay on the Ontology of the Present, London and New York: Verso, 2002, p.91 [حداثة فريدة، مقال عن علم الوجود الخاص بالزمن الحاضر].
26 Tony Smit "توني سميث"، The Logic of Marx’s Capital: Replies to Hegelian Criticisms, Albany, NY: State University of New York Press, 1990, p.64 [منطق رأس المال لدى ماركس: ردا على انتقادات هيغيليان].
27 Fredric Jameson " فريدريك جيمسون"، Interview with Leonard Green, Jonathan Culler, and Richard Klein, in Ian Buchanan, ed., Jameson on Jameson. Conversations on Cultural Marxism, Durham, NC: Duke University Press, 2007, p.36. [مقابلة مع ليونارد غرين وجوناثان كولار وريتشارد كلاين، من كتاب إيان بوشانان (محرر)، جيمسون عن جيمسون. دردشات في الماركسية الثقافية].
28 انظر عمل Paul Burkett "بول بوركيت" في هذا الصدد: بول بوركيت،“Nature’s ‘Free Gifts’ and the Ecological Significance of Value”, Capital and Class, No.68, Summer 1999:89-110; Paul Burkett, Marx and Nature: A Red and Green Perspective, New York: St. Martin’s Press, 1999 ["’هدايا الطبيعة‘ المجانية والمغزى البيئي للقيمة"، رأس المال والطبقة، العدد 68، صيف 1999: 89-110؛ بول بوركيت، ماركس والطبيعة: منظور أحمر وأخضر]
29 Perry Anderson "بيري أنديرسون"، In the Tracks of Historical Materialism, London: Verso, 1983, p.55.  Indeed, difference [على خطى المادية التاريخية].
30 بحث لـ Louise Brown "لويز براون" في Sex Slaves: The Trafficking of Women in Asia, London: Virago, 2000 [أمات الجنس: الاتجار في النساء في آسيا].
31 T H Aston and C H E Philpin "تي إتش أستون" و "سي إتش إي فيلبين"، The Brenner Debate: Agrarian Class Structure and Economic Development, Cambridge: Cambridge University Press, 1987 [نقاش برينار: بنية الطبقة الزراعية والتنمية الاقتصادية]. أطلق النقاش مقالٌ بعنوان Past and Present [الماضي والحاضر] كتبه Robert Brenner "روبيرت برينار" عام 1976 واختتمه ردُّ برنار على نقده في الصحيفة ذاتها عام 1982، ويشكل هذا النقاش برأيي رفضا قطعيا لمفهوم أن هناك ما وراء سردي ضمني في فهم الماركسية للانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية.
32 يناقش Mohamad Tavakoli-Targhi "محمد تافاكولي-تارغي" في الفصل المعنون “Orientalism’s Genesis Amnesia” ["فقدان الذاكرة التكويني للاستشراق"] قائلا أن الاستشراق كان نتاجا لعملية "حوارية" بين المستعمر والقابع تحت الاستعمار (من كتاب بعنوان Antinomies of Modernity, pp.98-125 [ تناقضات قوانين الحداثة]). ولعل من الأنسب أن نسميه نتاجا "للعداوة التكافلية". أعتقد أن هذه العبارة استخدمها Barrington Moore "بارينغتون مور" في كتاب Social Origins of Dictatorship and Democracy, Boston: Beacon Press, reprint edition, 1993 [الأصول الاجتماعية للدكتاتورية والديموقراطية].
33 في هذه النقطة الأخيرة، انظر Thomas Metcalf "توماس ميتكالف"، Ideologies of the Raj, Cambridge: Cambridge University Press, 1997 [أيديولوجيات الراج].
34 يوضح كارل ماركس الفروق بين الإدراج "الشكلي" والإدراج "الحقيقي" لطبقة العمال في رأس المال، وذلك في نص نشر على شكل“Appendix: Results of the Immediate Process of Production” ["ملحق: نتائج عملية الإنتاج الفورية"] في كتابه Capital, vol.1, pp.943-1084 [رأس المال].
35 هذه النقطة يشدد عليها باستمرار Samir Amin "سمير أمين". انظر كتابه Delinking: Towards a Polycentric World, London: Zed Books, 1985 [فك الارتباط: نحو عالم متعدد المراكز] وكتابه Obsolescent Capitalism: Contemporary Politics and Global Disorder, London: Zed Books, 2003 الرأسمالية المتقادمة: السياسات المعاصرة والفوضى العالمية].
36 قد ينطبق هذا الوصف بحذافيره على المسرح السياسي للسياسة الجماهيرية اليمينية في الهند من نوع Shiv Sena "تشيف سينا" و BJP "بي جي بي". انظر على سبيل المثال Gérard Heuzé "جيرار أوزيه"، Entre Émeutes et Mafias: L’Inde dans la mondialisation, Paris: L’Harmattan, 1996 [بين أعمال الشغب والمافيات: الهند إبان العولمة].
37 نقطة أساسية أدلى بها Jacques Pouchepadass "جاك بوتشيباداس" في كتاب“Pluralising Reason [a review of Provincializing Europe],” History and Theory, 41,3 (September 2002) ["تعديد المنطق [استعراض لكتاب تحويل أوربا إلى محافظاتالتاريخ والنظرية].
38 هكذا كان موقف  Ashish Nandy"أشيش ناندي". انظر على سبيل المثال The Intimate Enemy: Loss and Recovery of Self Under Colonialism, Delhi: Oxford University Press, 2009, second edition [العدو الحميم: فقدان الذات تحت الاستعمارية واستعادتها]. كُرِر هذا الموقف وفصِّل في عدد من المقابلات والمقالات المنشورة في الكتب وحمي وطيسه في المعارضة بين ناندي ورئيس وزراء غوجارات Narendra Modi "ناريندا مودي" وهو سياسي يميني متطرف.
39 الجملة التالية ليست شاذة عن المشاعر المعرب عنها شريطة أن نستبدل بالشرقِ وأوربا (الأوربة "Europeanization") التقليدَ والحداثةَ: "ليس أمامنا في الشرق طريق إلا عبر هذه الأوربة "Europeanization". وفقط عبر هذه الرحلة إلى الأجنبي والغريب يمكننا أن نستعيد كينونتنا نحن. وهنا، كما هو الحال في أماكن أخرى، تكون الطريق إلى ما هو أقرب إلينا أطول طريق للعودة." J. L. Mehta "جيه إل ميهتا"، Martin Heidegger: The Way and the Vision, Honolulu: University of Hawaii Press, 1976, p. 466 [مارتين هيدغار: الطريق والرؤية]. اقتُبست هذه الجملة من ص 298 من كتاب Provincializing Europe [تحويل أوربا إلى محافظات]. وقد أضفتُ التأكيدات أعلاه من أجل التوكيد على الفئات الاستشراقية الخاصة بتفكير "ميهتا" والتي تبدو جزءا لا يتجزأ من تحويل "تشاكرابارتي" أوربا إلى محافظات.
40 Niall Ferguson "نيال فيرغوسون، The War of the World Twentieth Century Conflict and Descent of the West, New York: The Penguin Press, 2006, p. 645 [حرب صراع القرن العشرين العالمي وأصل الغرب].
41 Samuel Huntington "ساموئيل هانتينغتون"، The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order, New York: Simon and Schuster, 1996 [صراع الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي]؛ Patrick Buchanan "باتريك بوتشانان"، State of Emergency, New York: St. Martin’s Press, 2006 [حالة طوارئ].
42 طرحَت التساؤل Ella Shohat إللا شوهات، “Notes on the ‘Post-Colonial’”, Social Text, no.31-32 (1992):103 ["ملاحظات على ’ما بعد الاستعماري‘"، نص اجتماعي، العدد 31-32 (1992):103] مقتبَس عن Arif Dirlik "أريف ديرليك“The Postcolonial Aura: Third World Criticism in the Age of Global Capitalism”, Critical Inquiry 20:2 (Winter 1994), p.328 (328-56) "الهالة ما بعد الاستعمارية: نقد العالم الثالث في عصر الرأسمالية العالمية"، تحقيق نقدي].
43 وغني عن القول أن هناك استثناءات، ومن بينها عمل Robert Brenner "روبيرت برينار" المذكور آنفا.
44 Partha Chatterjee "بارثا تشاتيرجي“India’s History from Below”, Le Monde Diplomatique, (March 2006), p.12 ["تاريخ الهند من الأسفل"].
45 Francis Fukuyama "فرانسيس فوكوياما"، The End of History and the Last Man, New York: Free Press, 1992 [نهاية التاريخ وآخر رجل]. وغني عن القول أن هناك العديد من الطبعات الموجودة لهذا الكتاب الأكثر رواجا. انظر استعراض Perry Anderson "بيري أندرسون" العميق التفكير لهذا الكتاب في كتابه  A Zone of Engagement, London: Verso, 1992 [منطقة اشتباك].
46 تعتبر نسبة تسجيل الطلبة الآسيويين في الجامعات الحكومية والخاصة النخبوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة مرتفعة كل الوقت تقريبا. ورغم أن الآسيويين يشكلون اقل من خمسة في المئة من عدد السكان إلا أنهم يشكلون عادة من 10-30 % من الطلبة في أفضل الجامعات الأمريكية، ففي عام 2005، أي في أخر سنة يدخل فيها البلاد أعداد كبيرة، شكل الآسيويون 24% من مجموع طلبة الدراسة الجامعية الأولى في جامعة كارنيجي ميلون وستانفورد و27% من طلبة معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا و14% في جامعة ييل و13 % في جامعة برنستون. (Timothy Egan "تيموثي ايجان"،“Asian Americans Challenge Ideas of Race in U.S. universities”, International Herald Tribune, 7 January 2007, http://www.iht.com/articles/2007/01/07/news/asians.php?page=1 ["الآسيويون الأمريكيون يتحدون أفكار الجنس في الجامعات الأمريكية"، صحيفة إنترناشينال هيرالد تريبيون، 7 كانون الثاني/يناير 2007]). كما أن هناك تأكيدات بأن الآسيويين الأمريكيين يستفيدون من مكتسبات الحقوق المدنية التي مُنحت في التعليم العالي على مدى عدة عقود مضت. وقد تجاوز عدد الطلبة الآسيويين الأمريكيين في مؤسسات التعليم العالي مليوناً عام 2001 ويستمر العدد في الازدياد كل سنة. (Higher Education Research Institute March 2007 report, “Beyond Myths: The Growth and Diversity of Asian American College Freshmen: 1971-2005” http://www.gseis.ucla.edu/heri/PDFs/pubs/briefs/AsianTrendsResearchBrief.pdf [تقرير معهد أبحاث التعليم العالي، آذار/مارس 2007، "ما وراء الأساطير: نمو أعداد الطلبة الآسيويين الأمريكيين في السنة الأولى وتنوعهم: 1971-2005"]).
47لا يمكن على الإطلاق أن نطرح رؤية مثالية عن الجامعة الأمريكية في وقتها الراهن. يعتبَر الكثير من المناهج ما بعد الاستعمارية خليطا من التقليدية الجديدة والهدوئية "quietism" السياسية. وليس من الواضح أبدا ما إذا كان بإمكان الدراسات ما بعد الاستعمارية تحدي الإدخالات الأخرى التي حدثت في أعقاب نهاية الحرب الباردة والتعديلات البنيوية وعملية الاستقطاب الاجتماعي  الاقتصادي الكثيفة. وفي شأن قيود الجامعة في الوقت الحاضر، انظر على سبيل المثال Noam Chomsky "ناعوم تشومسكي" The Cold War and the University: Towards an Intellectual History of the Postwar Years, New York: New Press, 1998 [الحرب الباردة والجامعة: نحو تاريخ فكري لسنوات ما بعد الحرب]؛ وانظر أيضاَ Stanley Aronowitz "ستينلي ارونوفيتش" The Last Good Job in America: Work and Education in the New Global Technoculture, New York: Rowman and Littlefield, 2007 [آخر وظيفة جيدة في أمريكيا: العمل والتعليم في الثقافة التكنولوجية العالمية الجديدة]؛ ولنفس المؤلف، The Knowledge Factory: Dismantling the Corporate University and Creating True Higher Learning, Boston: Beacon Press, 2001 [مصنع المعرفة: تفكيك الجامعة الشركة واستحداث تعليم عالٍ حقيقي].
48 من تجربتي في تدريس تاريخ جنوب آسيا الحديث في جامعة Duke "ديوك"، وجدت طلبة يقاومون جدا الدراسات الاستعمارية المقارنة والتي تتضمن ارتباطات بنيوية-أفقية وكانوا أكثر ارتياحاً مع التقاليد الثقافية المستمرة وغير المتغيرة حيث تكون الثقافة عموما موضوعة في نوعٍ تناقضيِ من اللاوقتية. وبصورة غريبة تصادفت افتراضات الجيل الثاني من الطلبة الهنود الراغبين في التعلم عن تراثهم، وبصوره متناسقة جدا، مع الافتراضات المسبقة للطلبة الأوربيين الأمريكيين بشأن هند الشرق الجوهرية. وكلاهما متطابقان تماما مع التصورية المكانية الكبيرة لـ"دراسات الشتات" مع افتراضها المركزي للتشتت من الوطن الأصلي رغم إنه يبقى نقطة المرجعية لسياسة الهوية. وعليه فإن المرء يتفق مع رؤية جيمسون، ولكن يعدل عليها القليل، والقائلة بأن التصورية الحداثية زمانية بينما التصورية ما بعد الحداثية مكانية. انظر Fredric Jameson "فريدرك جيمسون" Postmodernism, or, The Cultural Logic of Late Capitalism, London: Verso, 1991 [ما بعد الحداثة، أو، المنطق الثقافي للرأسمالية الأخيرة].
49 Thomas Merton  "ثوماس ميرتون" (محرر)، Gandhi on Non-Violence, New York: New Directions Publishing House, 1965, p.56;  [رأي غاندي في اللاعنف]؛ Hugh Tinker "هيو تنكار"، A New System of Slavery: The Export of Indian Labour Overseas, 1830-1920, London: Hansib, 1993 [نظام جديد من العبودية: تصدير العمالة الهندية إلى ما وراء البحار].
50 قد يكون كتاب Theodore Allen "ثيودور ألن"،  The Invention of the White Race, London: Verso, 1997 [اختراع الجنس الأبيض] نقطة انطلاق مفيدة للتحقيق في الديناميات المعقدة التي تربط الاستعمارية بالعبودية. لا يتناول ألن الاستعمارية في آسيا ولكن لدية تبصر في عملية شراء نوع من الامتياز الاجتماعي في بيئة مهاجرين مع الإبقاء على الوعي لظلم الحكم الاستعماري. كما قد يتناول المرء الطريقة التي تلخص فيها تجارب العبودية والاستعمارية في السياق التاريخي والأكاديمي المتغير والمستعرضة آنفا.
51 في الواقع، إن مفهوم حقوق الإنسان السهل الاستهداف والذي بزغ عن طريق تبنيه على أنه جزء من شعارات وزارة الخارجية الأمريكية قد سهّل، كما يبدو، تجاهل الدراسات ما بعد الاستعمارية لقضية الحقوق مجتمعةً، لاسيما عند تطبيقها على مجموعة من الاحتياجات الأساسية.
52 في الواقع يمكن إن يكون الأمر أكثر سوءا. ففي الطرق التي اكتُشف فيها أن Rajas "راجاس" و Ranis "رانيس" من ضحايا الاستعمارية، فإن المرء يشتبه بوجود نوع من الحنين لنظام تراتبي على نحو أصلي وممتلئ بارتباطات عضوية بين النظامين العامي والأرستقراطي للمجتمع واللذان مزقهما تأثير الحداثة الخارجي. وفي هذه الحالة فإن تقبل الدراسات ما بعد الاستعمارية في الولايات المتحدة الأمريكية قد يكون له علاقة ما مع اكتشاف العقلانية القديمة لتوسيع الاختلافات في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة. انظر على سبيل المثال Gayatri Chakravorty Spivak "غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك"، “David Ochterlony and the Ranee of Sirmoor”, in Francis Barker, ed., Europe and Its Others, Proceedings of the Essex Conference on the Sociology of Literature, Colchester: University of Essex, 1984, pp.1-21 ["ديفيد اوتشتيرولوني والراني أف سيرمور" في كتاب فرنسيس باركر (محرر) أوربا وأخرياتها، وقائع مؤتمر اسيكس بشأن علم اجتماع الأدب]؛ وانظر لنفس المؤلف، “The Rani of Sirmur: An Essay in Reading the Archives”, History and Theory, 24, 3 (1985): 247-72 [الراني أف سيرمور: مقالة في قراءة الأرشيفات"، التاريخ والنظرية]. انظر أيضا كتاب Partha Chatterjee "بارثا تشاتيرجي" بالرغم من أنه ليس بنفس الأسلوب، A Princely Impostor, Princeton: Princeton University Press, 2002 [منتحل الشخصية الأميرية]، وهو مثال على الطرق التي تستطيع شخصيات النخبة أن تجد من خلالها طريقها إلى مراتب طبقات التوابع.
53 يناقش David Harvey "ديفد هارفي" في كتابهJustice, Nature and the Geography of Difference, Oxford: Blackwell Publishers, 1996 [العدل والطبيعة وجغرافية الاختلاف] عملية التجزؤ السياسي التي كشف عنها لدى التعامل مع الحريق الذي شب في مصنع معاملة الدواجن في هاملت، كارولينا الشمالية. وفي هذه الطريقة، ربما تتلاءم الدراسات ما بعد الاستعمارية جيداً مع الانهيار العام للتضامنات الطبقية في المجتمع الأمريكي.
54 إذا ما حللنا مسألة الإزاحة إلى عواملها ومنها على سبيل المثال مسألة الدراسات ما بعد الاستعمارية في الولايات المتحدة، فإن "المكان" مصطلح أكثر غموضاً وهو يشير أحيانناً إلى الأماكن الحقيقية حيث تحدث حركات ضد العولمة، لكنه في الغالب يشير إلى جغرافية افتراضية للتموضع وإعادة التموضع. وهنا من الصعب تماماً الاتفاق مع قناعة Dirlik "ديرليك" في أن السياسة "المستندة إلى المكان" تتعارض دائما مع العولمة الليبرالية الجديدة (Arif Dirlik "أريف ديرليك" Postmodernity’s Histories: The Past as Legacy and Project, Oxford: Rowman and Littlefield, 2000, ch.7 [تواريخ ما بعد الحداثة: الماضي بوصفه تركة ومشروع]). وفي الغالب يُعنى الأمر تحديدا باختيار مكان لتيسير إحداثيات افتراضية وبُعدية ضمن منطقة الكوكب الجغرافية المجردة المأهولة بالعولمة الليبرالية الجديدة، محيزاً "spatialize" إياه أو حتى جاعلاً إياه تاريخيا.
55 إنني مدان لـ Giancarlo Casale "جيانكارلو كاسيل" لإثارته النقطة الأخيرة في النقاش بعد إلقائي محاضرة في جامعة ليبستج "Lepzig".
56 يحمل كتاب Kim Stanley Robinson "كيم ستينلي روبينسون"، وعنوانه  Forty Signs of Rain, New York: Spectra 2005 [أربعون علامة للمطر]، بعض الرؤية المكابريه "macabre" للمستقبل الخاص بمصير بلاد Khembalung "خيمبالونج" التي يواجهها ارتفاع منسوب المياه في المحيط الهندي. وهذا الاحتمال لم يعد للأسف خيالا علميا، فرئيس وزراء جزر المالديف يسعى الآن إلى شراء وطن جديد ليأوي مواطني بلاده البالغ عددهم 40 ألفا.
57 مع الاعتذار من ويليام شكسبير.
58 Eagleton "إيغيلتون"،  Illusions of Postmodernism, p.23 [أوهام ما بعد الحداثة].
59 Dirlik "ديرليك"، “The Postcolonial Aura”, p.332 [الهالة ما بعد الاستعمارية].
60 لقد رافق انبعاث ما وراء التحييزات "metaspatializations" الدينية الحضارية، ومنها على سبيل المثال أوربا المسيحية والشرق الأوسط الإسلامي والهند الهندوسية والصين الكونفوشيوسية، وهي الأكثر شيوعا، تجزئةٌ جغرافية مكثفة، أي نمو تشكيلات إقليمية على نطاقات أصغر. وهذا جليٌّ بالفعل ليس في العالم الثالث فحسب بل أيضا في الطريقة التي بدأت فيها أوربا الأقاليم تأخذ شكلها، حيث يكون كل إقليم مرتبط بميزة محلية في عالم يبدو أنه خلافا لذلك قد فقد التميز، وهذا ما يعيدنا إلى النقطة التي أثارها Jameson "جيمسون" عن مكان النوعية في عالم تهيمن عليه الكمية.
61 فيما يتعلق بـ"وسيط الاختفاء"، انظر Fredric Jameson "فريدريك جيمسون"، “The Vanishing Mediator; or, Max Weber as Storyteller”, in The Ideologies of Theory, Essays 1971-1986, Vol. I: Situations of Theory, (foreword by Neil Larsen), Minneapolis: University of Minnesota Press, Vol. 2: Syntax of History, , Minneapolis: University of Minnesota Press, 1988 ["وسيط الاختفاء؛ أو، ماكس ويبار بوصفه راوٍ"، من كتاب أيديولوجيات النظرية، مقالات 1971-1986، المجلد الأول: أوضاع النظرية، (تمهيد نيل لارسون)، مينيابوليس: مطبعة جامعة مينيسوتا، المجلد الثاني: تركيب جمل التاريخ، مينيابوليس: مطبعة جامعة مينيسوتا، 1988]. عدّلت Etienne Balibar "إتيين باليبار" هذا الأمر في فصل بعنوان “Europe: Vanishing Mediator?” ["أوربا: هل هي وسيط الاختفاء؟"] في كتاب بعنوان We, the People of Europe?, Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004, pp.203-35 [أنحن شعب أوربا؟].
62 انظر مثلا مناقشة Raphael Samuel "رافائيل صموئيل" لهذا الأمر في فصله المعنون “Four Nations History” ["تاريخ الأقوام الأربعة"]، في كتاب بعنوان Island Stories: Unravelling Britain, London: Verso, 1998, pp.21-40 [قصص الجزر: انهيار بريطانيا]. بينما كانت وجهة نظر صموئيل هي هدم التأريخ البريطاني التوجه، كانت النتيجة غالبا وجهة نظر ما بعد استعمارية وواضحةً من شأنها أن زيَّفت جميع الفوارق القديمة الخاصة بالحاضرة والمستعمرة.
63 فيما يتعلق بمكانة العصور الوسطى، انظر مقالتي، “The Aryan Model of History and the Oriental Renaissance” ["النموذج الآري للتاريخ والنهضة الشرقية"]. حاول Karl Hillebrand "كارل هيليبراند" أن يصهر جميع أساطير الهند واليونان وإسكندنافيا وبلاد فارس في ديانة عالمية من شأنها "بعث عالَم تصرف العقلانية انتباهه." بالنسبة لـBaron Ferdinand von Eckstein "بارون فيرديناند فون إكشتاين"، يمكن الادعاء بأن الهند وكذلك بلاد فارس واليونان هي سلائف القوطية الألمانية، أي العصور الوسطى الألمانية. "كان هوميروس يمثل قاعدة الهرم والهند وبلاد فارس كانتا تمثلان ضلعيه وكانت قمته العصورَ الوسطى في ألمانيا." وقد كتب في مكان آخر قائلا: "جميع أوربا، والتي كانت في السابق لاتينية، هي الآن ألمانية، إذ أن شعوب الشمال أسست جميع الإمبراطوريات الجنوبية." Raymond Schwab "ريموند شواب"، The Oriental Renaissance: Europe’s Rediscovery of India and the Far East, trans. Gene Patterson-Black and Victor Reinking, New York: Columbia University Press, 1984, p.221, p.262 [النهضة الشرقية: إعادة اكتشاف أوربا للهند والشرق الأقصى].
64 Fredric Jameson "فريدريك جيمسون"، The Seeds of Time, New York: Columbia University Press, 1994, pp. xi-xii [بذور الزمن].
65 قال Michael Hardt "مايكل هارت" أن "تحليل Chakrabarty "تشاكرابارتي" هو أفضل أنواع التحليل الماركسي، آخذا ماركس إلى ما وراء ماركس، أي إلى ما وراء حدود تفكير ماركس وأوقاته" وأن "تقليد الدراسات ما بعد الاستعمارية قد يكون أفضل قاعدة للمباشرة منها في مثل هذا النوع من إعادة التوجيه لطاقاتنا النقدية والسياسية" (Hardt, “The Eurocentrism of History”, Postcolonial Studies, 4:2, (2001), review of Dipesh Chakrabarty, Provincializing Europe, pp.247-9 [هارت، "المركزية الأوربية للتاريخ"، الدراسات ما بعد الاستعمارية، 2:4، (2001)، استعراض لكتاب ديبيش تشاكرابارتي، تحويل أوربا إلى محافظات، الصفحات 247-9)].